عبد الكريم الخطيب
37
التفسير القرآنى للقرآن
في المشبه ، وهم المنافقون . . كانوا في زمرة الكافرين ، ثم إنهم أعلنوا إيمانهم ، واتخذوا هذا الإيمان جنّة يتقون بها يد المؤمنين ، إذا هي علت على الكافرين ، وأنزلتهم على حكمهم ، وذريعة يتوصلون بها إلى ما قد يفىء اللّه على المؤمنين من خير ! . . فكان أن فضح اللّه نفاقهم ، وجاءت آياته تنزع عنهم هذا الثوب الذي ستروا به هذا النفاق ، فأصبحوا عراة لا يستطيعون أن يظهروا في الناس ، إلا كما تظهر الحيات برءوسها من وراء أجحارها ! وفي المشبه به ، وهو هذا الذي استوقد نارا . . هذا الإنسان ، كان في ظلمة الليل ، وفي لفح زمهريره القارس ، فاستوقد نارا ، كي يجد فيها الدفء والنور ! ثم جاء هؤلاء المنافقون فيمن جاء إلى هذا الضوء ، ليجدوا عنده الأمن ، والدفء . . ولكنّ هؤلاء المنافقين ، وإن اختلطوا بالمجتمعين على هذا الضوء ، وحسبوا - في ظاهر الأمر - على ما عليه القوم ، فإن اللّه سبحانه حجز عنهم النور ، وأخذ على أبصارهم ، فلم يروا ما حولهم ، ولم يعرفوا وجه الطريق الذي يسلكون ، فركبتهم الحيرة ، وقيدهم العمى والضلال . . ! ونقرأ الآية الكريمة : « مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ، فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ » ، فنجد لمحة من لمحات الإعجاز القرآني ، في هذا التخالف بين أجزاء الصورة في المشبه به ، حيث كان الظاهر أن يقال : « ذهب اللّه بنوره وترك في ظلمات لا يبصر » . ولكن هذا يفسد المعنى ، حيث يقضى بهذا الحكم على موقد النار ، فيذهب بنوره الذي رفعه لهداية الناس ، وحيث يقع هذا الحكم على غير المنافقين ، من طالبى الهدى عنده .